عندما تتحوّل الجغرافيا من ساحة قتال إلى طريق تجارة: أين يقف لبنان؟

اقتصاد, لبنان يونيو 7, 2026

على امتداد عقود، كان الشرق الأوسط يُقرأ من خلال خرائط الحروب والتحالفات العسكرية. كانت قيمة الدول تُقاس بموقعها في الصراعات، وقدرتها على التأثير في موازين القوى، وموقعها ضمن المحاور الإقليمية والدولية. أما اليوم، فتبدو المنطقة وكأنها تدخل مرحلة مختلفة، لا تختفي فيها السياسة والأمن، لكنها تصبح أكثر ارتباطاً بالاقتصاد والتجارة والاستثمار.

من هنا، قد يكون السؤال الأهم الذي يواجه لبنان اليوم ليس من سيربح الحرب المقبلة، بل ما إذا كان سيجد لنفسه مكاناً في الشرق الأوسط الذي يتشكل بعد الحروب.

لقد فرضت الحرب الأخيرة في المنطقة واقعاً جديداً. فبينما انشغل الجميع بمتابعة العمليات العسكرية ونتائجها المباشرة، كانت القوى الكبرى والإقليمية تنظر إلى ما هو أبعد من المعركة نفسها. كانت تنظر إلى شكل المنطقة بعد الحرب، وإلى الممرات التجارية والطاقة والبنى التحتية التي ستحدد موازين القوة في العقود المقبلة.

في هذا السياق، برز الحديث عن مشروع الممر الاقتصادي الذي يربط الهند بأوروبا عبر الخليج وشرق المتوسط، في مواجهة أو موازاة مشروع الحزام والطريق الصيني. وقد بالغ البعض في اعتبار أن الحرب اندلعت بسبب هذه المشاريع، لكن الأرجح أن هذه المشاريع ليست سبب الحرب بقدر ما هي أحد رهانات ما بعدها. فالصراعات في الشرق الأوسط أقدم وأعمق من أي مشروع اقتصادي، لكنها تؤثر بلا شك في مستقبل تلك المشاريع وإمكان نجاحها.

التاريخ يعلمنا أن طرق التجارة كانت دائماً تصنع السياسة بقدر ما تصنعها الجيوش. فالدول التي تقع على تقاطعات الممرات الكبرى تكتسب أهمية استراتيجية مضاعفة، بينما تتراجع أهمية الدول التي تعزل نفسها عن التحولات الاقتصادية. واليوم يبدو أن الشرق الأوسط يعود تدريجياً إلى هذا المنطق.

دول الخليج، التي كانت لعقود لاعباً مالياً يدعم الصراعات أو يتأثر بها، أصبحت تسعى إلى أن تكون مركزاً عالمياً للتجارة والاستثمار والخدمات اللوجستية. وهي تدرك أن الاستقرار أصبح أصلاً اقتصادياً لا يقل قيمة عن النفط. لذلك تتجه سياساتها أكثر فأكثر نحو ربط الأمن بالتنمية وربط النفوذ بالمشاريع الاقتصادية.

في المقابل، يجد لبنان نفسه أمام مفترق تاريخي. فلطالما استفاد من موقعه الجغرافي ومن دوره المالي والتجاري والثقافي. لكنه خلال العقود الأخيرة تحول تدريجياً من عقدة وصل بين الشرق والغرب إلى ساحة صراع بين المحاور. وبينما كانت المنطقة تبني الموانئ والمناطق الحرة وشبكات النقل والطاقة، كان لبنان يغرق في أزماته السياسية والمالية والدستورية.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى. فلبنان الذي يمتلك موقعاً مثالياً على شرق المتوسط، ويملك طاقات بشرية هائلة وانتشاراً عالمياً واسعاً، مهدد اليوم بأن يصبح خارج المعادلات الاقتصادية الجديدة لا بسبب نقص الإمكانات، بل بسبب غياب الرؤية السياسية.

وفي قلب هذا النقاش يبرز موضوع حزب الله وسلاحه ودوره الإقليمي. فالجدل اللبناني التقليدي ينظر إلى المسألة من زاوية داخلية أو أمنية فقط، بينما قد تكون التحولات الجارية أوسع من ذلك بكثير. فمع انتقال المنطقة تدريجياً من منطق المواجهة المفتوحة إلى منطق المصالح الاقتصادية، سيزداد الضغط على جميع القوى السياسية لإعادة تعريف أدوارها ضمن دولة تبحث عن الاستقرار والنمو وجذب الاستثمارات.

وهذا لا يعني أن الصراع العربي الإسرائيلي انتهى، ولا أن القضايا الكبرى فقدت أهميتها، ولا أن المنطقة ستتحول فجأة إلى فضاء من السلام الدائم. لكنه يعني أن معيار القوة نفسه بدأ يتغير. فالدول لم تعد تُقاس فقط بقدرتها على خوض الحروب، بل بقدرتها على بناء المرافئ والجامعات وشبكات الطاقة والاقتصاد الرقمي وجذب الرساميل.

من هنا، فإن الخطر الأكبر الذي يواجه لبنان قد لا يكون حرباً جديدة فحسب، بل أن يمر الشرق الأوسط الجديد من حوله من دون أن يكون جزءاً منه. فالدول المجاورة تتحرك بسرعة نحو إعادة التموضع في الاقتصاد العالمي، بينما لا يزال اللبنانيون يناقشون قضايا كان يفترض أن تكون قد حُسمت منذ عقود.

إن السؤال الذي سيحدد مستقبل لبنان في السنوات المقبلة ليس ما إذا كان سينتمي إلى هذا المحور أو ذاك، بل ما إذا كان قادراً على الانتقال من اقتصاد الساحات إلى اقتصاد الممرات، ومن منطق إدارة الأزمات إلى منطق صناعة الفرص.

لقد كانت الجغرافيا اللبنانية لعقود ساحة مواجهة. أما اليوم، فالتحدي الحقيقي هو تحويل هذه الجغرافيا نفسها إلى نقطة عبور ومركز خدمات ومنصة اقتصادية. وعندها فقط يستطيع لبنان أن يستعيد دوره الطبيعي، لا كخط تماس بين المشاريع المتنافسة، بل كجسر يربط بينها.

فالقرن الحادي والعشرون لا يكافئ الدول التي تكتفي بموقعها على الخريطة، بل الدول التي تعرف كيف تستثمر هذا الموقع. وبينما تتحول المنطقة من ساحات قتال إلى طرق تجارة، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يدرك لبنان حجم الفرصة قبل أن تصبح فرصة ؟

بطرس الخوري – نداء الوطن

:شارك الخبر