مشروع “كرايساليس”: سفينة فضاء لأربعة قرون بين الواقع والخيال الهندسي

منوعات فبراير 23, 2026

تجاوزت فكرة مشروع “كرايساليس” مجرد الفوز بمسابقة هندسية عالمية، لتصبح تصورًا جريئًا لأحد أعظم المشاريع الهندسية التي قد يحققها البشر في المستقبل: بناء سفينة فضاء بطول 58 كيلومتراً، قادرة على حمل مجتمع كامل والانطلاق في رحلة تستمر أربعة قرون نحو نجم بعيد، رحلة يعلم ركابها أنهم لن يعودوا أبداً، ولن يبلغوا الوجهة إلا أحفادهم.

يهدف المشروع إلى استيعاب نحو 2400 إنسان على متن السفينة، يعيشون ويموتون وينشأ أطفالهم في بيئة مغلقة، ويورّثون المهمة جيلاً بعد جيل حتى بلوغ الوجهة البعيدة. ويعتمد المجتمع على قدرته الذاتية في إنتاج الغذاء، وتدوير المياه والهواء، وحماية الأفراد من المخاطر المحتملة عبر 16 جيلًا متتالياً.

ويقول موقع “Daily Galaxy” إن التصميم، الممتد عبر مئات الصفحات، لم يُكتب كخيال علمي، بل كوثيقة فنية دقيقة تضم رسومات لمدن داخلية، ومزارع خضراء، وجداول لتوزيع الكتلة على وحدات الزراعة والطاقة، وحسابات للجاذبية الاصطناعية، فضلاً عن نماذج للحكم وسبل منع الانهيار الاجتماعي في مجتمع معزول لأربعة قرون.

القيود الفيزيائية وراء الهيكل العملاق
يبرز أحد أبرز التحديات في المشروع في تصميم الجاذبية الاصطناعية، التي تتطلب دوران السفينة بسرعة محددة دون إرهاق البشر. ولتحقيق ذلك، تم اقتراح هيكل ضخم بطول 58 كيلومتراً، يتألف من أسطوانات متداخلة تدور في اتجاهات معاكسة لتقليل الاهتزازات، مع وضع منطقة السكن في مقدمة السفينة لتقليل مخاطر الاصطدام بالغبار الكوني أثناء مراحل التسارع والتباطؤ.

وحتى في عالم اليوم، فإن هذه الرؤية تواجه قيودًا علمية صارمة: لا توجد محطة فضائية قادرة على تجميع هيكل بهذا الحجم، ولا صاروخ على الأرض قادر على حمل مكوناته، كما أن محركات الاندماج النووي المقترحة، وأنظمة الحماية من الإشعاع ونظم التبريد المستمرة في الفضاء، ما زالت غير جاهزة.

الجانب الاجتماعي: مجتمع متكامل لأربعة قرون
أحد أكثر عناصر المشروع إثارة للقلق هو إدارة مجتمع كامل في عزلة تامة لأربعة قرون. ويستند المشروع في تصوراته إلى تجارب العزلة في القطب الجنوبي، مع إعادة تعريف الأسرة لتصبح مسؤولية جماعية، وتنظيم الولادات وإدارة عدد السكان، وتخزين المعرفة في أنظمة رقمية تضمن استمرار صيانة السفينة وتشغيلها.

أما الحكم، فسيتم عبر نموذج يعتمد على الذكاء الاصطناعي، وهو مجال لم يُختبر عملياً على مدى عقود طويلة، ما يجعل استدامة مجتمع مستقل بالكامل تحدياً غير مسبوق في تاريخ التجربة الإنسانية.

“كرايساليس” بين الواقع والخيال
يشير المشروع بوضوح إلى حجم الفجوات العلمية والهندسية والاجتماعية التي تحول دون تحقيق فكرة سفينة فضاء متعددة الأجيال اليوم. فهي ليست مجرد سفينة، بل مرآة لمستقبل طويل الأمد يوضح ما ينقصنا من علوم وتقنيات قبل أن نتمكن من المغامرة في الفضاء على نطاق اجتماعي يمتد لأربعة قرون.

“كرايساليس” إذن ليست مشروعًا للبناء الفعلي، بل وثيقة تحدد الطريق، وتكشف عن حجم التحديات الهائلة أمام أي مجتمع يسعى إلى مغادرة الأرض نحو النجوم.

:شارك الخبر