الغلاء في لبنان يضغط مجددًا: الخبز والمحروقات في الواجهة

تتزايد في لبنان الضغوط الاقتصادية والمعيشية مع استمرار ارتفاع كلفة الطاقة والسلع الأساسية، في وقت تثير فيه التطورات الإقليمية والدولية مخاوف من انعكاسات إضافية على الأسواق المحلية. وبين ارتفاع الأسعار وكلفة الاستيراد والنقل، تبقى الأنظار متجهة إلى مدى قدرة السوق على الحفاظ على استقرار المواد الأساسية وتفادي موجة جديدة من الغلاء.
رفع سعر ربطة الخبز
وتطبيقاً لآلية التسعير المعتمدة منذ سنوات، والتي تحتسب بصورة دورية الكلفة الفعلية لمكوّنات إنتاج الخبز، أصدرت وزارة الاقتصاد والتجارة قراراً بتعديل سعر ربطة الخبز اللبناني الأبيض من الحجم الوسط في صالات الأفران من 75,000 إلى 80,000 ليرة لبنانية، أي بزيادة قدرها 5,000 ليرة.
تُدرك الوزارة تماماً ما تمثّله أي زيادة في سعر الخبز من عبء إضافي على المواطنين، ولا سيما في ظل الظروف المعيشية الصعبة. إلا أنّ هذا التعديل المحدود بات ضرورياً لضمان استمرارية إنتاج الخبز وتوافره في الأسواق.
وجاء هذا التعديل بعد تضاعف سعر المازوت منذ بداية الأزمة، علماً أنه يشكّل نحو 22% من كلفة إنتاج الخبز، إلى جانب ارتفاع سائر تكاليف الإنتاج. وقد انعكست هذه الزيادات مباشرةً على كلفة تشغيل الأفران وإنتاج ربطة الخبز، وفقاً للحسابات التي تعتمدها آلية التسعير.
وتشدّد الوزارة على أنّ آلية التسعير تعمل في الاتجاهين، وأنها ستُعيد النظر في السعر وتخفضه فور تراجع كلفة الإنتاج، كما فعلت سابقاً وفق الآلية نفسها.
وتواصل مديرية حماية المستهلك حملاتها الرقابية على الأسواق والأفران للتأكد من الالتزام بالسعر الرسمي وضبط أي مخالفات، بما يحفظ انتظام السوق ويحمي حقوق المستهلكين.
رفض رفع سعر الخبز
في السياق، استنكر رئيس نقابة عمال المخابز في بيروت وجبل لبنان النقابي شحادة المصري قرار رفع سعر ربطة الخبز، واعتبر في بيان أنّ “رغيف الخبز هو العمود الفقري للأمن الغذائي والقوت اليومي للأكثرية الساحقة من الشعب اللبناني”.
ورأى أنّ رفع سعر الربطة في ظل الأزمة الاقتصادية والمعيشية “يستهدف بشكل مباشر ذوي الدخل المحدود والعمال والفقراء”، مشدداً على أنّ “رغيف الخبز حق أساسي في الحياة”.
وسأل: “من يتحمل مسؤولية أعباء ارتفاع سعر مادة المازوت عالمياً، الحكومة أم المواطن؟”، مطالباً بـ”التراجع الفوري عن قرار رفع سعر ربطة الخبز وتحمل المسؤولية كاملة في دعم رغيف خبز الفقراء وحمايته”.
ودعا إلى “وضع خطة واضحة وشفافة لدعم مادتي المازوت والطحين وتأمينهما، وتفعيل أجهزة الرقابة والمحاسبة، ووقف سياسة تحميل المواطن أعباء الأزمات والحروب والفساد وسوء الإدارة”.
وختم المصري بدعوة “جميع المعنيين إلى القيام بواجبهم في دعم الأمن الغذائي للمواطنين”، محذراً من أنّ اللبنانيين “لم تعد لديهم القدرة على تحمل المزيد من الأعباء الاقتصادية المتفاقمة في هذه الظروف الراهنة”.
المازوت فوق 30 دولارًا
في إطار متصل، أعلن نقيب أصحاب محطات المحروقات جورج البراكس، في منشور عبر حسابه على منصة “إكس”، أنّ سعر صفيحة المازوت (الديزل) سيتخطى حاجز الـ30 دولارًا يوم الجمعة.
وعزا البراكس هذا الارتفاع إلى التصعيد العسكري في الخليج العربي والبحر الأحمر، إضافة إلى تداعيات الحرب الروسية-الأوكرانية.
النقابات تحذّر
في المقابل، عقدت ستّ نقابات وجمعيات معنية بقطاعات الدواجن والمواشي والأبقار الحلوب والأدوية البيطرية اجتماعاً في ضبية، للبحث في تداعيات فرض “الرسم البيئي” على مواد أساسية تدخل في الإنتاج الحيواني والغذائي، بينها كسبة الصويا ودوار الشمس وكسبة القطن وتفل الشمندر السكري والأدوية البيطرية والمضافات العلفية.
وحذرت النقابات من أنّ هذه الرسوم ستؤدي إلى ارتفاع كلفة الإنتاج، ما سينعكس زيادة في أسعار البيض والدواجن واللحوم والألبان والأجبان، ويهدد استمرارية القطاعات المنتجة والأمن الغذائي الوطني، فضلاً عن تأثيره على نحو 50 ألف عائلة تعمل فيها.
وطالبت النقابات بالرجوع فوراً عن فرض الرسم وإعفاء هذه المواد منه، محذّرة من اتخاذ خطوات تصعيدية واعتراضية في حال عدم التجاوب، ومشددة على أنّ المطلوب دعم الإنتاج الوطني وتخفيف أكلافه بدل فرض رسوم إضافية تنعكس في النهاية على المستهلك.
رقابة مشدّدة على الأسواق
وفي موازاة الضغوط المعيشية وارتفاع الكلفة، تواصل وزارة الاقتصاد حملاتها الرقابية على الأسواق، إذ أعلنت مديرية حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد والتجارة، في أحدث تقرير لها، أنها نفّذت 16,668 كشفاً ميدانياً منذ بداية العام ولغاية 11 أيلول الحالي، في إطار حملاتها الرقابية على مختلف الأراضي اللبنانية.
وأكّدت الوزارة، في بيان، أنها خلال الفترة نفسها وبالتنسيق مع الأجهزة الأمنية والقضائية، قد سطّرت 786 محضر ضبط بحقّ المخالفين، وذلك ضمن 20 نوعاً من الأعمال الرقابية، تشمل أسعار السلع والمواد الاستهلاكية، وسلامة الغذاء وسواها، إلى جانب المولّدات الكهربائية الخاصة التي نالت وحدها 418 محضراً.
كما تلقّت المديرية 1,498 شكوى من المستهلكين في الفترة نفسها، في إقبال متزايد من المواطنين على التبليغ عبر التطبيق الإلكتروني لوزارة الاقتصاد والتجارة MoET Digital Services.
وفي أسبوع واحد، من 7 ولغاية 11 أيلول، استجابت مديرية حماية المستهلك لـ236 شكوى من المستهلكين، ونفّذت 533 كشفاً ميدانياً نتج عنها تسطير 63 محضر ضبط بحق المخالفين.
هذا وأسفرت حملة وزارة الاقتصاد المكثّفة على كبار المخالفين من أصحاب المولدات في مختلف المناطق، بمؤازرة جهاز أمن الدولة وبالتنسيق مع القضاء المختص، عن مصادرة 61 مولداً كهربائياً، خلال شهر من بدء الحملة، وتوقيف عدد من المخالفين وتسطير عشرات محاضر الضبط. علماً أنّ هذه المصادرات تتمّ لصالح السلطات المحلية من بلديات ومحافظين لتشغيلها وإدارتها لضمان حق المواطنين بالتغذية بالتيار الكهربائي.
