بفضل هذه الاتفاقية.. تصنف سويسرا كمقر للسلام العالمي

منوعات يونيو 23, 2026

تُعرف سويسرا اليوم بأنها إحدى أبرز العواصم العالمية للوساطة والسلام، إذ تستضيف على أراضيها مؤسسات ومنظمات دولية ومفاوضات حساسة بين الدول المتنازعة. ولم تأتِ هذه المكانة من فراغ، بل تشكلت عبر قرون من الحياد السياسي، وتعززت بشكل كبير بفضل اتفاقية جنيف الأولى التي وضعت اللبنات الأولى للقانون الدولي الإنساني الحديث.

ففي النصف الثاني من القرن التاسع عشر، أصبحت مدينة جنيف مسرحاً لحدث تاريخي غيّر طريقة التعامل مع ضحايا الحروب، ورسّخ صورة سويسرا كدولة تسعى إلى الحد من المآسي الإنسانية بعيداً عن الصراعات العسكرية.

حروب أوروبا تكشف الحاجة إلى الحماية
شهدت أوروبا خلال القرن التاسع عشر سلسلة من الحروب الدموية التي خلفت أعداداً هائلة من القتلى والجرحى. وخلال الحروب النابليونية، سقط ملايين الضحايا، فيما عانى كثير من الجنود من إصابات وعاهات دائمة.

ومع تصاعد التوترات بين القوى الأوروبية، اندلعت حرب القرم منتصف خمسينيات القرن التاسع عشر بين روسيا من جهة والدولة العثمانية وحلفائها من جهة أخرى. وأسفرت الحرب عن وفاة أكثر من نصف مليون جندي، معظمهم بسبب الأمراض وسوء الرعاية الطبية وتداعيات الإصابات.

وسلطت هذه الحرب الضوء على الأوضاع المأساوية التي كان يواجهها الجنود الجرحى في ساحات المعارك، حيث كانوا يُتركون لساعات أو أيام دون علاج أو إسعاف.

ظهور الصليب الأحمر
في يونيو 1859، وجد رجل الأعمال السويسري هنري دونان نفسه شاهداً على أهوال معركة سولفرينو التي دارت بين القوات الفرنسية والسردينية من جهة والقوات النمساوية من جهة أخرى.

وقد صُدم دونان بالمشاهد التي رآها بعد انتهاء القتال، حيث انتشرت جثث القتلى وآلاف الجرحى الذين تُركوا ينزفون دون رعاية. ودفعه ذلك إلى تنظيم عمليات إسعاف ومساعدة للضحايا بمشاركة سكان المنطقة.

وبعد ثلاث سنوات، نشر كتابه الشهير “ذكرى سولفرينو”، الذي دعا فيه إلى إنشاء منظمات إنسانية متخصصة في إغاثة ضحايا الحروب. وأسهمت هذه الأفكار في تأسيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي أصبحت لاحقاً إحدى أهم المنظمات الإنسانية في العالم.

اتفاقية جنيف الأولى
في تلك الفترة، لم تكن الطواقم الطبية أو الجرحى يتمتعون بأي حماية قانونية خلال الحروب، ما جعل إسعاف المصابين مهمة شديدة الخطورة.

وأمام هذا الواقع، دعت الحكومة السويسرية ممثلين عن عدد من الدول الأوروبية، إضافة إلى الولايات المتحدة والمكسيك والبرازيل، إلى مؤتمر دولي في جنيف لبحث قواعد إنسانية مشتركة أثناء النزاعات المسلحة.

وفي 22 أغسطس 1864، وُقعت اتفاقية جنيف الأولى التي نصت على حماية الجنود الجرحى والمرضى وتقديم الرعاية الطبية لهم دون تمييز، بغض النظر عن الجهة التي ينتمون إليها.

كما اعتبرت الاتفاقية أفراد الطواقم الطبية والمنشآت الصحية جهات محايدة، ومنعت استهدافها خلال النزاعات المسلحة. واعتمدت أيضاً شعار الصليب الأحمر رمزاً دولياً للحماية الإنسانية في الحروب.

بداية القانون الإنساني الحديث
وقّعت الاتفاقية في البداية كل من فرنسا وإسبانيا وبلجيكا والدنمارك وإيطاليا وهولندا والبرتغال وبروسيا والكونفدرالية السويسرية، إضافة إلى عدد من الدويلات الألمانية آنذاك.

وخلال السنوات التالية، انضمت دول أخرى مثل بريطانيا والدولة العثمانية والسويد والنرويج، قبل أن تلتحق الولايات المتحدة رسمياً بالاتفاقية عام 1882.

ومع إدخال تعديلات وتوسعات متتالية عليها خلال العقود اللاحقة، أصبحت اتفاقيات جنيف المرجع الأساسي للقانون الدولي الإنساني، وأسهمت في ترسيخ مكانة سويسرا بوصفها مركزاً عالمياً للحوار والسلام والدبلوماسية الإنسانية.

:شارك الخبر